لطالما عَشقتُ نهر التيمز بشكله الافعواني الذي يشطر مدينة لندن إلى نصفين كسهم كيوبيد الذي شطر قلبي ذات غروب هناك , ربما ارتبط حبي لذاك النهر لان تفاصيله تشبهني , طويل كقطار أفكاري , جميل كذكرى مختزلة تطفو بين الحين والآخر إلى عقلي مخلّفة رائحة زكية بحضورها السريع , وقفت على ضفة التيمز ذات غروب , ارتدي معطف بلون زهرة دوار الشمس , وشعري معقوص تحت قبعة من القش تغطي أكثره , كانت محاولة مني لإقالة الأفكار من راسي المشوّش حد الضبابية, وكان هو يتكئ على جدار قصير وقد أخفى عيناه تحت نظارة سوداء سميكة , يرتدي قميص رمادي خفيف بدون ربطة عنق رغم برودة الجو, ويحمل بين أصابعه المرتعشة سيجار سُحب منه روح الحياة , وبوجه بلا حياة أو كما يسمى وجه البوكر Pooker face بادرني بسؤال أسرع من الضوء هل تعتقدين أيتها الزهــرة البــريّــة بوجود أرواح متطايرة حولنا ؟ أرواح أجسادها اندثرت وغاب نبضها طويلا ..!! دُهشت من هذا السؤال الغير رومانسي والذي أعاد ذهني إلى حالة فوضاه السابقة القلقة , راقني وأربكني السؤال بنفس الوقت إلا أنني تظاهرت بأنني غير مهتمة للدخول في نقاش مع هذا الغريب المُريب ,وصوتي الداخلي يعلو على ملامحي التي أخفيتها تحت جليد برود مبالغ فيه , كان سهل علي قول كلمة “لا” فالغاية منها هو الوصول لجواب نهائي قاطع , ولكن كم احتاج من الدقائق لأقول لا فانا لا أجيد ثقافة وضع النهايات أو ربما كنت أخاف منها , وقد يكون هذا الرجل حرك شيء ساكن بداخلي , أعادني إلى ذكرى ما كنت ارغب بها , خلع نظارته السميكة ووجه لي نظرة حادة تحمل الكثير من التحدي ممزوجة بقليل من انتصار , لم افهم رغبته المُلحة لخوض نقاش في موضوع ترتطم حدوده بالدين والاعتقاد والثقافة ,ابتسمتُ نِصف ابتسامة تنبئ عن هدوء يسبق عاصفة , رددت على سؤاله بسؤال شبيه به وهل تعتقد أن الأرواح تَتَلبسُنا ؟هنا أجبته أجابه ضمنية بأنني أؤمن بالأرواح المتطايرة كالريح والتي تتطفل علينا تُخيفنا تُرهبنا وتتركنا مشرعين الأبواب وبحّةُ من خوف تهزنا من الداخل,أطبق يديه بحركات سريعة وكأنه يريد إشعال جمر الحوار واستدار ناحية مركب شراعي قادم من بعيد وكأنه يحمل بشائر ربيع قلب مُصفّر, وبدِقَة صيّاد مًمعن بالمهارة ركل ناحية النهر حجراَ صغيرا كان تحت قدمه قائلا لي :إن كل من يؤمن بوجود الأرواح هو شخص باحث عن شيء يرسّخ قناعاته عن المجهول ,يسكب كل المجهول بروحه ويهب نفس شفافة مغموسة بنغم التحدي فيصبح مثل طائر الكنــار يغرد حول فنن التساؤل والدهشة ..!
في أثناء حديثة غشتني نبوءة عن رجل يعشق الصهيل في مضمار الحياة كخيل جامح لا يستطيع أن يلجمه إلا أفق المستحيل , و في صقيع الغياب
يعزف على ناي القلب كلمات دافئة فيفيق بكل خجل كنجمة أسدلت شعاعها عند المغيب , ويستطرد بكل ثقة ممزوجة برجولة تشفي ما انكسر من صور رجال حلوا ورحلوا في حياتي ,لم أستطيع استحضار ممحاة لمحو صورة ذلك الغزير الرجولة الموفور الذكاء , إلا أن صوت داخلي خفيف كالمطر يهمس لقلبي هو لازال هناك يحاول كسر باب الحب الموصد , الذي أوصدته العادات الاجتماعية وقانون العيب في وجه المشاعر المتشرنقة داخل الروح , صحوت من يقظتي على صوت ذاك المدعي وهو يدندن بأغنية انجليزية متقطعة الكلمات خيل إلي أنها أغنية Bryan Adams) )Brothers Under The Sun.,ويلوح لي بكفه المعروقه مستفهما عن سبب شرودي ,وعيناه تتنازعان نظراتِ فيها الكثير من الشك والسخرية ,وهو يقول ألا تتفقي معي أن الغوص في بحر التفكير هو حل للهروب من المشاكل التي مرت بنا , قد نفكر بعمق , وقد نسير فقط في طرقات التفكير نحن لا نبحث عن إجابة لهمومنا ومعضلاتنا ولكننا نبحث عما يمسح الذاكرة بمعنى أن الذاكرة كالماسح الضوئي , فقط ينسخ ما نريد بدقة متناهية ثم يخرجه لنا إخراج يتفق مع ذوق صاحبة , فهناك من يحمل معه ذاكرة ملونة , وهناك من ذاكرته تجمع الضدين الأبيض والأسود ,,! انتابها قليل من الضيق من هذا الحوار الذي لم يزيدها إلا تشويشا حيث أطبقت على معطفها الأصفر بكل يديها وكأنها تحاول اغلاقة على ما يحمله قلبها من معتقدات قد تكون كالخرافات بالنسبة لهذا الشرير الماكر ..! ولكن مالبثت أن استجمعت قواها وسألته وهي تحاول التخلص من شالها المزخرف بكل زهور الدنيا وهي تتمتم ما أبشع الحكمة عندما تأتي من غير أهلها , ورمت بشالها إلى النهر فـ أطلقت تنهيده تحمل الكثير من الارتياح وكأنها تخلصت من شيء كان يخنقها ويمنعها من الاسترسال بالكلام ,واستدارت ناحية ذاك الرجل صاحب الأسئلة المزعجة قائلة له :هل تقبل بالصمت جوابا لهكذا كلمات ؟